قبل المناحل.. عسل الغابات كان المغامرة الكبرى

إعداد – روسيانا
في أعماق الغابات الروسية، لم يكن الوصول إلى العسل يتطلب البحث عن خلايا موضوعة في صناديق خشبية، بل كان على الرجال تسلّق الأشجار العالية، واكتشاف تجاويف تختبئ فيها مستعمرات النحل البري، ثم استخراج العسل بحذر. هكذا ظهرت حرفة قديمة عُرفت باسم «بورتنيتشيستفو» (Bortnichestvo)، وهي تربية النحل داخل تجاويف الأشجار وجمع العسل منها، وكانت من المهن المهمة في الحياة الاقتصادية لسكان روسيا القديمة.
خلايا نحل مخبأة داخل جذوع الأشجار
اعتمدت هذه الحرفة في بداياتها على العثور على أعشاش النحل الطبيعية داخل تجاويف الأشجار، قبل أن يطوّر العاملون فيها أساليب أكثر تنظيماً، عبر حفر تجاويف اصطناعية في جذوع الأشجار وتجهيزها لاستقبال أسراب النحل.
وكانت هذه الخلايا تُنشأ على ارتفاعات قد تصل إلى عدة أمتار فوق الأرض، ما جعل الوصول إليها يتطلب مهارة في التسلق وخبرة في التعامل مع الأشجار والنحل. ومع مرور الوقت، أصبح أصحاب الحرفة يختارون أشجاراً مناسبة ويجهزونها لتكون خلايا دائمة، بدلاً من الاكتفاء بالبحث عن أعشاش عشوائية في الغابة.
العسل والشمع.. ثروة الغابات الروسية
لم يكن العسل مجرد مادة للتحلية في روسيا القديمة، بل كان منتجاً مهماً في الحياة اليومية والتجارة، خصوصاً قبل انتشار السكر على نطاق واسع. كما اكتسب شمع النحل قيمة كبيرة، لاستخدامه في صناعة الشموع وبعض المستحضرات التقليدية.
وساهم توفر الغابات الواسعة في انتشار هذه الحرفة في مناطق مختلفة من الأراضي السلافية، وأصبحت منتجات النحل من السلع التي يجري تداولها في الأسواق. وتشير السجلات التاريخية إلى أن العسل والشمع كانا من السلع المهمة في تجارة روس القديمة خلال العصور الوسطى.
لكل شجرة صاحبها
مع تطور الحرفة، لم تعد الأشجار التي تضم خلايا النحل مجرد موارد متاحة للجميع، بل أصبح بعضها ملكاً لأفراد أو أسر تتولى العناية به. وكان أصحاب الخلايا يضعون علامات مميزة على الأشجار لتحديد ملكيتها، في تقليد يعكس أهمية هذه الموارد وضرورة حمايتها من التعدي.
وتطلبت المحافظة على الخلايا معرفة بمواسم ازدهار النباتات، وسلوك النحل، وطرق الوصول إلى تجاويف الأشجار من دون إتلافها. لذلك لم تكن المهنة مجرد جمع للعسل، بل حرفة تعتمد على الخبرة المتوارثة والتعامل الدقيق مع البيئة المحيطة.
حرفة قديمة لا تزال حاضرة
تراجعت أهمية جمع العسل من الأشجار مع توسع الزراعة وقطع الغابات وانتشار المناحل التقليدية، التي أتاحت تربية النحل في خلايا يسهل الوصول إليها وإدارتها. ومع ذلك، لم تختفِ الحرفة تماماً.
ففي جمهورية باشكورتوستان الروسية، ولا سيما منطقة بورزيان، لا تزال تقاليد تربية النحل داخل تجاويف الأشجار حاضرة، ويعمل السكان على الحفاظ عليها باعتبارها جزءاً من التراث المحلي. وترتبط هذه الممارسة أيضاً بالنحل البري المحلي وبالخبرات التي انتقلت بين الأجيال.
وهكذا تحولت حرفة بدأت من البحث عن أعشاش النحل في الغابات إلى تقليد يجمع بين إنتاج العسل والمعرفة بالطبيعة والتراث الشعبي، شاهداً على أسلوب حياة قديم كانت فيه الأشجار مصدراً للغذاء والثروة معاً.




